سيد محمد طنطاوي
313
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وإن عليكم ملائكة من صفاتهم أنهم يحفظون أعمالكم ، ويسجلونها عليكم ، وأنهم لهم عند اللَّه - تعالى - الكرامة والمنزلة الحسنة ، وأنهم يكتبون أعمالكم كلها ، وأنهم يعلمون أفعالكم التي تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة ، صغيرة أم كبيرة . فالمقصود بهذه الآيات الكريمة : بيان أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الجزاء حق ، وأن أعمال الإنسان مسجلة عليه تسجيلا تاما ، بواسطة ملائكة لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإنسان ، وعلى أي شيء تكون هذه الكتابة ، ومتى تكون هذه الكتابة . . . فمن الأمور التي يجب الإيمان بها كما وردت ، مع تفويض كنهها وكيفيتها ودقتها إلى اللَّه - تعالى - لأنه لم يرد حديث صحيح عن المعصوم صلى اللَّه عليه وسلم يعتمد عليه في بيان ذلك . ثم بين - سبحانه - النتائج المترتبة على كتابة الملائكة لأفعال الإنسان فقال : * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . وإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ . وما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ) * . والأبرار : جمع بر - بفتح الباء - ، وهو الإنسان التقى الموفى بعهد اللَّه - تعالى - . والفجار : جمع فاجر ، وهو الإنسان الكثير الفجور ، أي : الخروج عن طاعة اللَّه - تعالى - . أي : إن المؤمنين الصادقين الذين وفوا بما عاهدوا اللَّه عليه ، لفي نعيم دائم ، وهناء مقيم ، وإن الفجار الذين نقضوا عهودهم مع اللَّه ، وفسقوا عن أمره ، لفي نار متأججة بعضها فوق بعض ، هؤلاء الفجار الذين شقوا عصا الطاعة * ( يَصْلَوْنَها ) * أي : يدخلون الجحيم ويقاسون حرها * ( يَوْمَ الدِّينِ ) * أي : يوم الجزاء والحساب . * ( وما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ) * أي : وما هم عن النار بمبعدين ، بل هم ملازمون لها ملازمة تامة . ثم فخم - سبحانه - وعظم من شأن يوم الجزاء فقال : * ( وما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ) * . و « ما » اسم استفهام مبتدأ . وجملة « أدراك » خبره ، والكاف مفعول أول . وجملة * ( ما يَوْمُ الدِّينِ ) * المكونة من مبتدأ وخبر سدت مسد المفعول الثاني لأدراك . والتكرار للتهويل والتعظيم ليوم الدين ، كما في قوله - تعالى - الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ . أي : وأي شيء أدراك عظم وشدة يوم الحساب والجزاء ، ثم أي شيء أدراك بذلك ؟